الشيخ محمد هادي معرفة

454

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لها في مفهوم الكلام ، شأن سائر الزيادات اللفظية أثناء الكلام . فهذا شَيء ننكره أشدّ الإنكار . وقد بالغ شيخنا الحجّة البلاغي في إنكاره ورفض احتماله بتاتا . قلت : لا شكّ أنّ سياق الكلام في هكذا موارد سياق القسم المؤكّد ، وليس سياق محض النفي . وذلك للتعقّب بالجواب في جميعها . والجواب ، ترتّب ثابت على ثابت ، ولا ترتّب على منفيّ . وإليك تفصيل الكلام في ذلك : ذكر الزمخشري - عند تفسير قوله تعالى : « فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ . . . » « 1 » - : معناه : فاقسم ، و « لا » مزيدة مؤكّدة ، مثلها في قوله : « لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ » « 2 » . ويتأيّد بقراءة الحسن : « فلُاقسم . . . » . ومعناه : فلأنا اقسم ، لتكون اللام لام الابتداء ، لا لام القسم ، إذ كان يجب حينذاك أن تلحق الفعل نون التأكيد . . . « 3 » وقال - عند قوله تعالى : « لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ . . . » - أي ليعلم ، و « لا » مزيدة . ولم يزد شيئا . « 4 » لكنّه - عند قوله تعالى : « لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ . . . » « 5 » - فصّل في الكلام ، قال : إدخال « لا » النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم . قال امرؤ القيس : لا وأبيكِ ابنةَ العامريّ * لا يدّعي القوم أنّي أفرّ وقال غوثة بن سلمى : ألا نادت امامةُ باحتمال * لتحزنني فلا بِكِ لا أبالي قال : وفائدتها توكيد القسم . وقالوا : إنّها صلة ، مثلُها في « لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ » ، وفي قوله : في بئر لا حور سَرَى وما شعر * بإفكه حتى إذا الصبح جشر « 6 » واعترضوا عليه بأنّها إنّما تزاد في وسط الكلام لا في أوّله . وأجابوا بأنّ القرآن في

--> ( 1 ) - الواقعة 75 : 56 . ( 2 ) - الحديد 29 : 57 . ( 3 ) - الكشاف ، ج 4 ، ص 468 . ( 4 ) - المصدر ، ص 483 . ( 5 ) - القيامة 1 : 75 . ( 6 ) - جَشَر : أضاء واتّضح .